القرطبي

72

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وقد خرّج البزار في « مسنده » من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن المؤمن إذا احتضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر ريحان ، فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين ويقال : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً [ الفجر : 27 ، 28 ] مرضيا عنك إلى روح اللّه وكرامته ، فإذا خرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان ، وطويت عليها الحريرة وذهب بها إلى عليين . وإن الكافر إذا احتضر أتته الملائكة بمسح فيه جمرة ، فتنزع روحه انتزاعا شديدا ويقال : أيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة مسخوطا عليك ، إلى هوان اللّه وعذابه ، فإذا خرجت روحه وضعت على تلك الجمرة ، ويطوى عليها المسح ، ويذهب بها إلى سجّين » « 1 » . قال الشيخ المؤلف رحمه اللّه : فقوله في روح المؤمن : « يذهب بها إلى عليين » هو معنى ما جاء في حديث أبي هريرة المتقدم إلى السماء التي فيها اللّه ، والأحاديث يفسر بعضها بعضا ولا إشكال . وذكرته عند بعض من يتّسم بالعلم والفقه والقضاء ، فلم يكن منه إلا أن بادر بلعن من رواه ونقله ! ! فظنّ منه التجسيم ، فقلت له : الحديث صحيح ، والذين رووه هم الذين جاءوا بالصلوات الخمس وغيرها من أمور الدين ، فإن كذبوا هنا كذبوا هنالك ، وإن صدقوا هنا صدقوا هنالك . والتأويل مزيل ما توهمته ، وكان في ذلك كلام . وحضره جماعة من أهل الفقه والنظر ، فذكرت له ما ذكرناه ، وذكرت له حديث التنزيل وقوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] وما تأوله العلماء في ذلك ، وسيأتي من ذلك في هذا الكتاب ما فيه كفاية لمن اهتدى والحمد للّه . وأما قوله في حديث محمد بن كعب ، أول الباب : « إذا استنقعت نفس المؤمن » ، فقال شمر : لا أعرفه ، وسمعت الزهريّ يقول : يعني إذا اجتمعت في فيه حين تريد أن تخرج كما يستنقع الماء في قراره ، والنفس الروح هاهنا ، حكاه الهروي « 2 » . * * *

--> ( 1 ) أخرجه النسائي ( 4 / 8 - 9 ) وابن حبان ( 7 / 284 / 3014 ) والحاكم ( 1 / 352 - 353 ) ، وصححه الألباني في « الصحيحة » ( 1309 ) . ( 2 ) انظر : « النهاية في غريب الحديث والأثر » ( 5 / 94 ) و « الغريبين في القرآن والحديث » للهروي ( 6 / 1881 ) .